ابن عربي
25
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
حنّت إلى أوطانها التي هي الأسماء الإلهية التي عنها صدرت وبها تصرفت . وهذا الحنين هو الذي أوجب لها سرعة السير . وقد تكون أيضا الهمم وهي عندنا من الأعمال فلهذا شرحناها بالأعمال لتضمنها الهمم وجعله حنين محبة وشوق لا حنين عرض يزول بزوال متعلقه . وقوله : ما حياتي بعدهم إلا الفنا يقول : إذا ارتفعت الهمم نحو مقصودها أقيمت في الفنا عن الفنا فاتصلت بالحياة التي لا تنفد ولا يعقبها صد ، ثم سلم وأودع الصّبر والحياة الطبيعية لفراقه موطنها الذي هو عالم الحسّ والتركيب الطبيعي . بان العزاء وبان الصّبر إذ بانوا * بانوا وهم في سويدا القلب سكّان يقول : بان مقام المنعة والصبر بانوا ؛ يعني المناظر الإلهية عني . وقوله : . . . في سويدا القلب سكان يقول : لما كانت المناظر الإلهية لا تشبه لها إلا بالمنظور إليه وهو اللّه ؛ وهو سبحانه في سويداء القلب كما يليق بجلاله من قوله تعالى : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » فهو في قلب العبد لكنه لما لم يعط تجل في هذه الحالة لم توجد المناظر فبانت من كونها مناظره مع كونه في القلب ؛ ويقال : عز الأمر إذا امتنع فلم يوصل إليه والصبر حبس النفس عن الشكوى ؛ يقول : بأن هذا كله لبينهم ؛ ثم قال : سألتهم عن مقيل الرّكب قيل لنا : * مقيلهم حيث فاح الشّيح والبان يقول : سألت العارفين حقائق الشيوخ المتقدمين الذين أبانوا لنا الطريق وأوضحوا لنا مناهج التحقيق لما رأيناهم في تجلياتنا كشفا فالضمير في سألتهم يعود عليهم عن ركب هذه المناظر الإلهية أين قالوا ؛ يقول : أي قلب وعين اتخذوه مقيلا فقالوا لنا : اتخذوا مقيلا كل قلب ظهرت فيه أنفاس الشوق والتوقان وهو قوله : . . . . فاح الشّيح « 2 » والبان « 3 » فالشيح من الميل ، والبان من البعد وفاح من الفوح وهي الأعراف الطيبة ؛ وإن أراد أن يجعله من الفيح الذي هو الاتساع ساغ أيضا فإنه يليق به فإنّ السعة مطلوبة في
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) الشّيح : نبت عشبي بري سهلي من الفصيلة المركبة ، رائحته طيبة قوية ، وهو كثير الأنواع ، ترعاه الماشية ، وله استعمالات طبية ( ج ) شيحان . ( 3 ) البان : ضرب من الشجر من فصيلة البانيات ، طويل الأفنان ليّنها تشبّه به قدود الحسان في الطول واللين . ورقه كورق الصفصاف . واحدته بانة .